آخر الأخبار

الجريمة في المغرب: دراما الواقع أم دراما المُسلسل؟

في بلدٍ تتسارع فيه وتيرة الجريمة بشكلٍ لا يخفى على أحد، ويتناقل فيه الناس مشاهد تُصدم العقل وتدمع العين: حاملو السلاح الأبيض يهددون الأبرياء في الأزقة، تتكاثر الاعتداءات بشكل يومي، ويبدو أن الأمن في مواجهة معركة خاسرة مع الظلام. ومهما بذلت الأجهزة الأمنية من جهود جبارة في التصدي لهذه الظاهرة، يبقى السؤال الأهم: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل الجريمة التي نشهدها اليوم مجرد صدفة أم أنها انعكاس لثقافة مُستشرية في بعض الطبقات المجتمعية؟

في هذا السياق المأساوي، تأتي بعض الأعمال الفنية مثل “الدم المشروك” لتعزز هذا الواقع، بل وتزيد الطين بلة. هذا المسلسل، الذي يبدو أنه “إبداع” فني، ما هو في النهاية سوى تمجيد للعنف والجريمة على الشاشة، وتطبيع مع المجرمين. في عالم المسلسل، يصبح حمل السيوف والتهديد بالقتل ليس مجرد جريمة، بل حلاً، وأحيانًا يبدو كأنه شرف أو قوة! بينما على الأرض، في الشوارع المغربية، يتخبط المواطنون في خوف دائم من أن يصبحوا ضحية لأحد هذه السلوكيات المروعة.

لكن ماذا عن هذا العمل، “الدم المشروك”؟ المسلسل، الذي يُعرض على القنوات المغربية، لا يقدم فقط صورة مغلوطة عن الجريمة في المجتمع، بل يروج لها بطريقةٍ قد تكون أخطر مما نتخيل. في مكانٍ نرى فيه الأمن يحاول جاهداً ضبط الوضع، يأتي هذا المسلسل ليقول للمشاهد: “لا بأس، فالعنف جزء من الحياة اليومية”. تُعرض شخصيات تُحل مشكلاتها بالسكاكين، وتُشعل معارك في الشوارع، وكأن هذا هو السلوك الطبيعي الذي يجب أن نتبعه. هذه صورة تروج للعدوانية وتُرسخ في عقول الشباب فكرة أن الحلول العنيفة هي السبيل الوحيد للحياة.

في حين أن المسلسل قد يكون مجرد عمل درامي يهدف للإثارة، إلا أن تأثيره في الواقع أقوى مما نتخيل. فبينما نكافح ضد الجريمة في الحياة الحقيقية، تأتي هذه الأعمال لتُضيف طبقةً من التشويش على وعي المشاهدين. هل يريد القائمون على هذه الأعمال أن يُصدّق المشاهد أن المجتمع المغربي يُشهر السيوف في وجه مشاكله اليومية؟ هل هذا هو الواقع الذي يجب أن نعيش فيه؟ هل يعقل أن يتم تمويل مثل هذه الأعمال من أموال الشعب في وقت يعاني فيه المواطن المغربي من الفقر، البطالة، وضعف الخدمات العامة؟

المسلسل ليس مجرد مشهد فني، بل هو جزء من مشكلة أكبر، مشكلة تتعلق بمسؤولية الإعلام في تقديم صورة صحيحة وواعية عن المجتمع. بدلاً من أن يساهم الفن في تعزيز قيم العيش المشترك، والسلام، وحل النزاعات بالحوار، نجد أن هذا النوع من الإنتاجات يُسهم في نشر ثقافة العنف بشكل غير مباشر، ويعزز اللامبالاة تجاه الحلول السلمية. ما هو مُقلق أكثر، هو أن هذه الأعمال تجد جمهورًا واسعًا، خصوصًا بين المراهقين والشباب، الذين يشكلون جمهورًا سريع التأثر.

بغض النظر عن الإبداع الفني أو المغامرة الدرامية، أليس من الأفضل أن تُستخدم هذه المسلسلات كأداة توعية اجتماعية حقيقية؟ أليس من الأنسب أن نسلط الضوء على جهود الأجهزة الأمنية في محاربة الجريمة، ونعرض صورًا حقيقية من الواقع تُظهر كيف أن المجتمع المغربي لا يتقبل العنف ولا يعتبره جزءًا من حياته اليومية؟

في النهاية، الجريمة في المغرب ليست مجرد قضية درامية يمكن أن تُعرض على الشاشة لتكون موضوعًا للحكايات المثيرة. إنها واقع يجب مواجهته بكل قوة، وهو ليس بحاجة إلى أن يُستنسخ في الدراما بشكلٍ يُسهم في تطبيع العنف، بل يحتاج إلى مواجهة حقيقية، إلى ثقافة أمان، إلى إعلام مسؤول. أما الأعمال الفنية التي تروج للعنف فليست سوى امتداد لظاهرة خطيرة يجب القضاء عليها، لا أن تُجعل منها مجرد “مادة” للمشاهدات.