آخر الأخبار

“راديو التطبيع”… تسامحٌ انتقائي أم مدخلٌ للتطبيع الناعم؟

كم هو مؤلم أن يُفرض علينا ابتلاع الشعارات الزائفة، وأن يُطلب منا التصفيق لمشاريع تُلبس لبوس “التسامح والتعايش”، بينما حقيقتها ليست إلا تطبيعًا ناعمًا يُغلَّف بخطاب زائف، يُراد به تدجين العقول وإعادة تشكيل الوعي الجماعي بما يخدم مصالح مشبوهة. اليوم، يُطلّ علينا مشروع “راديو التطبيع”، الذي يروّج لنفسه كمنصةٍ للسلام، لكنه في الواقع امتدادٌ لمسارٍ يهدف إلى ترويض الرأي العام، وإقناعه بأن رفض الاحتلال جريمة، وبأن مقاومة الظلم تتعارض مع “قيم التسامح”!

لكن السؤال الذي لا مفر منه: هل سنسمع لهذه الإذاعة صوتًا يدين المجازر في غزة؟ هل ستجرؤ على تسمية الأشياء بمسمياتها؟ هل ستندد بالإبادة الجماعية التي تُرتكب يوميًا أمام العالم أجمع؟ أم أن “التسامح” الذي تُبشّر به محرّمٌ على ضحايا الاحتلال، ومحصورٌ فقط في تلميع صورة الكيان الصهيوني؟

أي تسامحٍ هذا الذي يفرض علينا القبول بمغتصب الأرض، بينما يُطلب من الضحية أن تصمت وتتجرّع الذل بصمت؟ أين كان هذا الخطاب حينما كانت غزة تُسوَّى بالأرض، وأجساد الأطفال تُنتشل من تحت الأنقاض؟ أين هو “التعايش” حين يُحرم الفلسطيني حتى من حقه في الحياة؟

لم يكن المغاربة يومًا في حاجة لمن يلقّنهم قيم التعايش، فهذا البلد احتضن التعددية الدينية والثقافية قبل أن تولد هذه المشاريع الممولة بأجندات خفية. لكن حين تتحول هذه القيم إلى مجرد شعاراتٍ انتقائية تُستخدم لتوجيه الرأي العام نحو التطبيع القسري، فهذا ليس نشرًا للسلام، بل تسويقٌ للاستسلام!

لماذا لا نرى هذا الحماس الإعلامي حين يكون الحديث عن قضايا المغاربة الحقيقية؟ أين هم من الفقر الذي ينهش الطبقات الهشة؟ من الأزمة الاقتصادية التي تخنق المواطن؟ من المطالب العادلة بتحسين التعليم والصحة والكرامة؟ أم أن “التسامح” بات مجرد أداةٍ لتغييب الوعي، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لمن يهلّل للتطبيع، ويُخرَس صوت من يرفضه؟

الأخطر من كل هذا أن مثل هذه المشاريع ليست بريئة، بل تأتي في سياق متكامل يهدف إلى إعادة هندسة الوعي الجماعي، بحيث يصبح التطبيع “ضرورة”، والمقاومة “تطرفًا”، والحديث عن حقوق الفلسطينيين أمرًا يهدد “السلام” المزعوم!

إن المغاربة لا يحتاجون إلى من يبيع لهم الوهم، ولا إلى إعلامٍ يُستغل كأداةٍ لتلميع صورة الاحتلال، بينما يصمّ آذانه عن الجرائم التي تُرتكب ليل نهار ضد الأبرياء. نحن بحاجة إلى إعلامٍ نزيه، يعكس هموم المواطن، ولا يُستخدم كحصان طروادة لتمرير التطبيع تحت غطاء “التسامح والتعايش”.

“وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ” (سورة البقرة، الآية 120).