آخر الأخبار

مقاهي الشيشة بمراكش: بين التراخيص الغائبة وتحديات تطبيق القانون

تعتبر مقاهي الشيشة في مدينة مراكش إحدى الظواهر المثيرة للجدل، سواء من الناحية القانونية أو الصحية. فبينما يشهد العديد من هذه المقاهي نمواً ملحوظاً، إلا أن هناك تحديات كبيرة تتعلق بتطبيق القوانين المنظمة لهذا النشاط. بالرغم من أن التشريع المغربي لا يتضمن نصوصاً صريحة تمنع تقديم الشيشة، فإن هناك مجموعة من القوانين التي يمكن الاستناد إليها لضبط أو إغلاق هذه المقاهي. ومن أبرز هذه القوانين، القانون رقم 15.91 الذي يمنع التدخين في بعض الأماكن العمومية، إضافة إلى القانون رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يخول للمجالس الجماعية صلاحية منح وسحب رخص المحلات التجارية، بما في ذلك تلك التي تقدم الشيشة. لكن يظل الإشكال في غياب رقابة فعالة وضعف تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع، مما يثير العديد من التساؤلات حول جدوى التشريعات المتواجدة.

لا ينص القانون المغربي بشكل صريح على منع تقديم الشيشة، إلا أن استعمال التبغ في الأماكن العمومية يندرج ضمن المواد التي تخضع لضوابط صارمة وفق القوانين المتعلقة بالصحة والسلامة. ولتقديم الشيشة في مقهى أو مطعم، يجب الحصول على ترخيص خاص يأخذ بعين اعتبار شروط التهوية، والموقع، وعدم الإضرار بالسكينة العامة، واحترام الصحة العمومية. غير أن الواقع يؤكد أن عدداً كبيراً من هذه المقاهي يشتغل برخص غير مطابقة، كأن تكون مرخصة كمقاهٍ عادية أو مطاعم، لكنها تُقدّم الشيشة بشكل علني، مما يشكل خرقاً واضحاً للقانون ويعرض أصحابها للمساءلة.

وفق معطيات غير رسمية وتقارير صحفية، يُقدّر عدد مقاهي الشيشة بمراكش بأكثر من ثلاثمائة مقهى، تتركز أغلبها في جليز، الحي الشتوي، المسيرة، دوار العسكر وسيدي يوسف بن علي. وتفيد تقديرات محلية بأن أكثر من سبعين في المئة من هذه المقاهي لا تتوفر على تراخيص ملائمة، وتشتغل في ظروف غير صحية، دون تهوية مناسبة، أو احترام لقوانين الصحة والسلامة. وقد أسفرت حملات متقطعة عن إغلاق مؤقت لبعض المقاهي، لكن هذه التدخلات غالباً ما تكون آنية ولا تتسم بالاستمرارية، مما يطرح تساؤلات حول جدية المراقبة وضعف تطبيق القانون.

تُعتبر مقاهي الشيشة من أكثر الأنشطة الليلية ربحاً، إذ يمكن أن تدرّ أرباحاً يومية تتراوح بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألف درهم للمقهى الواحد، خصوصاً في المناطق السياحية. إلا أن هذا النشاط المالي الكبير يتم في أغلب الأحيان خارج الرقابة الضريبية، بسبب عدم التصريح الحقيقي بنوع النشاط أو مداخيله. وهكذا، تحوّلت الشيشة إلى تجارة مربحة لا تخضع للجباية الحقيقية، مما يخلق منافسة غير متكافئة مع باقي الأنشطة المهيكلة، ويهدد مبدأ الشفافية والعدالة الجبائية.

يرى البعض أن هذه الفضاءات تُجذب نوعاً خاصاً من الزوار، خصوصاً القادمين من دول الخليج وبعض السياح الأوروبيين الباحثين عن ترفيه ليلي. في المقابل، عبّر العديد من المهنيين في القطاع السياحي عن قلقهم من انتشار هذه المقاهي بشكل عشوائي، مما يشوّه صورة المدينة، ويزعج جيرانها، ويؤثر سلباً على مشاريع الإقامات السياحية الراقية.

في ظل هذا الغموض، ترتفع دعوات المجتمع المدني ومهنيي القطاع للسلطات قصد الحسم في هذا الملف، إما بتقنين واضح لهذا النشاط عبر دفتر تحمّلات مضبوط، يشمل شروط السلامة والصحة، ويحدد ضوابط عمرية وزمانية، أو بمنع تام وصريح في حال تعذر تنظيمه، حمايةً للصحة العامة وكرامة المدينة. مراكش، باعتبارها مدينة ذات إشعاع دولي، لا تستحق أن تتحول بعض أحيائها إلى بؤر للفوضى تحت يافطة “الترفيه”، دون احترام للقانون أو لمشاعر الساكنة.

إضافة إلى ذلك، سبق لوزارة الداخلية أن أصدرت دورية سنة 2014 موجهة إلى الولاة والعمال، دعتهم فيها إلى تشديد المراقبة على مقاهي الشيشة، ومنعها في حال عدم توفرها على ترخيص واضح وصريح يخول لها هذا النشاط، وهو ما يؤكد أن الإدارة واعية بخطورة الظاهرة، لكنها تواجه صعوبات في التطبيق المنتظم والموحد على التراب الوطني.

هكذا يتضح أن الإطار القانوني، وإن لم يكن دقيقاً أو صريحاً، يضع من الناحية المبدئية الأسس الكافية لتنظيم أو منع تقديم الشيشة، غير أن الإشكال يظل في غياب إرادة حقيقية لتطبيق هذه القوانين بصرامة وعدالة.